ابن يعقوب المغربي

537

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

( مبالغة ) أي والمقصود من ذلك الانتزاع إفادة المبالغة أي إفادة أنك بالغت في وصف المنتزع منه بتلك الصفة وإنما تبالغ كذلك ( ل ) أجل ( كمالها ) أي : لادعائك كمال تلك الصفة ( فيه ) أي : في ذلك المنتزع منه وإنما قلنا : لادعاء الكمال إشارة إلى أن إظهار المبالغة بالانتزاع لا يشترط فيه كونه كاملا في تلك الصفة في نفس الأمر ، بل الادعاء كاف سواء طابق الواقع أم لا . ووجه دلالة الانتزاع على المبالغة المبنية على ادعائك الكمال ما تقرر في العقول من أن الأصل والمنشأ لما هو مثله في غاية القوة ، حتى صار يفيض بمثالاته فإذا أخذ وصف باعتبار تلك الصفة من موصوف آخر بها فهم أنك بالغت في وصفه ، حتى صيرته في منزلة هي بحيث كانت فيه تلك الصفة منشأ لتفريع أمثالها عنها وإيجادها عنه ، فهي فيه كأنها تفيض بمثالاتها لقوتها كما تفيض الأشعة عن شعاع الشمس ، وكما يفيض الماء عن ماء البحر فليفهم فإنه سهل ممتنع . أقسام التجريد وبمثل هذا علم أن فنون هذا العلم لا يخلو سهلها - كالبديع - من وجود الدقائق ورعايتها ، فضلا عن صعبها ، كالبيان والمعاني ( وهو ) أي التجريد ( أقسام ) عديدة ؛ لأن الانتزاع إما أن يكون بحرف أو بدونه ، والحرف إما من أو الباء أو في ، والباء إما داخلة على المنتزع منه أو داخلة على المنتزع ، وما يكون بدون حرف إما أن يكون لا على وجه الكناية ، أو يكون على وجهها ، ثم هو إما انتزاع من غير المتكلم ، أو انتزاع من المتكلم نفسه . فهذه أقسام أشار إليها وإلى أمثلتها بقوله : ( فمنها ) أي : من تلك الأقسام ما يكون حاصلا بمن التجريدية ( نحو قولهم ) في المبالغة في وصف فلان بالصداقة : ( لي من فلان صديق حميم ) أي : صديق قريب لي كأنه نفسي ، بحيث يهتم بأمري كما أهتم أنا به . وإنما يقال هكذا إذا قصد إظهار المبالغة في صداقته ، حتى صار بحيث يفيض عنه صديق آخر .